المسرح فن قديم لأ جديد

اذهب الى الأسفل

المسرح فن قديم لأ جديد

مُساهمة من طرف snaibi في الإثنين مارس 24, 2008 12:37 pm

خلال نهاية الثمانينات من القرن العشرين، استأنف المسرح الجامعي حركيته-التي كانت ملحوظة خلال الستينات وبعدها- من خلال الدورة الأولى للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي في البيضاء. وقد كانت إدارة د.حسن الصميلي وجرأته، ووجود عارفين بالمسرح المغربي جانبه (مثل رشيد فكاك، ومحمد الكغاط آنذاك) كافية لتجعل من المهرجان فرصة للقاء من جهة، ومناسبة للتعرف على تجارب مسارح الشعوب والثقافات الأخرى، إضافة إلى الاحتكاك والتبادل. وخلال مدة قصيرة أصبح المهرجان مكسبا وطنيا استأنف طموح الجامعيين المسرحي، وأصبح المسرح الجامعي مع تقدم التجربة مكونا طبيعيا من مكونات المسرح المغربي رغم هزالة السند القانوني والتنظيمي الذي يسنده، ورغم اعتماده على النوايا الحسنة عند أجهزة تسيير المؤسسات الجامعية، وعلى إصرار كوكبة جميلة من رجال المسرح في الجامعة على ممارسة المسرح رغم غياب الإمكانات.

وبفضل حيوية الممارسة المسرحية الجامعية، وإقبال الطلبة على ممارسة المسرح رغم هزالة البرامج التكوينية في المسرح في رحاب الجامعة المغربية، بفضل المهرجان المشار إليه، كسب المسرح المغربي فعاليات مسرحية وإبداعية مهمة بدأت تنحت تجاربها المسرحية بكل رزانة مثل رشيد رشيد دواني، عز الدين بونيت وغيرهما. فالأول معروف بتجربته المتميزة في الإخراج المسرحي من خلال الاعتماد على جماليات العرض المتراكبة، والمسنودة بنص درامي قوي غالبا ما يمتلك بعدا أدبيا كثيفا. ولعله لهذا السبب وجد دواني غايته في النصوص المسرحية للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي التي قدمها مرارا على الخشبة وحصد بها جوائز متعددة. أما عز الدين يبونيت، فإنه يراهن في عمله على البحث المسرحي والتجريبي الذي قاده إلى الاشتغال على نصوص متعددة ومختلفة منها نصوص شعرية مثل قصائد الشاعر المغربي محمد بلبداوي.

ولعل ما يميز الفعاليات المسرحية الجامعية أنها تحافظ على علاقة متينة وقوية مع تيارات المسرح المغربي، سواء كان مسرحا هاويا أو محترفا، فأغلبها رجال مسرح يصرون على الإشعاع في المشهد الثقافي والمسرحي بكامله. وهكذا، نجد أن هذه الفعاليات المسرحية الجامعية قد طعمت مشاريع فرق مسرحية محترفة، ودخلت إلى صلب الإنتاج المسرحي.

وبرز في جنوب المغرب، في مدينة أكادير تحديدا، مهرجان وطني للمسرح الجامعي بإدارة د. حسن بنحليمة (عميد الكلية). وقد أصر المهرجان على الاستمرار، بفضل في نفس الظروف التي توفرت للمهرجان الدولي، أي جرأة الإدارة والإصرار، ووجود نخبة من الفعاليات المسرحية والثقافية في الجامعة التي تشكل صمام أمان للمهرجان.

ولكننا حين نتأمل خريطة المسرح الجامعي في المغرب لا نجد أثرا حقيقيا لحوالي أربعة عشر دورة للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالبيضاء، وأزيد من ست دورات للمهرجان الوطني بأكادير. صحيح أن الجامعة مكان عبور للفعاليات وللطلبة أساسا، ولكن يبدو أن التراكم لا يتحقق، وأن العروض تبقى بنفس المستوى، وذلك بسبب عدم بروز فعاليات مسرحية جديدة، وبسبب عدم تطوير أسلوب مهرجانات المسرح الجامعي

إننا نلاحظ أن لقاءات المسرح الجامعي لا تلبي كامل المواصفات الجامعية وكأنها لقاءات مسرحيين محترفين. إنه غريب فعلا أن تغيب مناقشة العروض المسرحية في مهرجان للمسرح الجامعي كما تغيب فيه حلقات النقاش ودورات تكوين النقاد وأوراش الكتابة المسرحية، ومحاضرات حول فلسفة المسرح وتحولاته في العالم. وفي الندوات القليلة التي تنعقد في مهرجانات المسرح الجامعي لا تحضر إلا نخبة جد قليلة من النقاد والمهتمين، وأحيانا لا يحضر إلا الباحثون والمدعوون لتنشيط الندوات ينصت بعضهم لبعض. ذلك أن إلزامية الحضور للندوات غير معمول به، بل إن المنظمين غالبا ما يتركون خلال وقت انعقاد الندوات الأوراش المسرحية التقنية مفتوحة. وهكذا، تتحول مهرجانات المسرحي الجامعي إلى مهرجانات شبه احترافية تضم العروض المسرحية وبعض الأوراش التقنية مثل أوراش تكوين الممثل أو السينوغرافيا والماكياج أو التدبير المسرحي. ولهذا يضعف الطابع الجامعي لهذا المسرح الذي نفتقد فيه حرارة صوت الطالب ونزقيته الفكرية وقدرته على المناقشة والسجال؟

6. الفرق الجهوية
تعتبر الفرق الجهوية الشق الثاني من مبادرات وزارة الثقافة في السنوات الثلاثة الأخيرة في مجال المسرح، إضافة إلى دعم الإنتاج المسرحي الذي أشرنا إليه سابقا. وهكذا، تم تأسيس خمس فرق جهوية في جهات خمسة من المملكة على سبيل مرحلة تجريبية أولية سيتم تعميمها على كل جهات المغرب فيما بعد. وقد أثار تأسيس الفرق الجهوية نقاشات حادة تتعلق في الغالب الأعم بطابعها الغامض بالمقارنة مع وضوح صيغة دعم الإنتاج إن قانونيا أو عمليا. فوزارة الثقافة لم تصدر أي قانون تأسيسي للفرق الجهوية، واكتفت بتعيين مديرين لكل فرقة، مدير إداري ومدير فني، الأول يتكلف بالتدبير الإداري والمالي للفرقة والثاني يتكلف بالإدارة الفنية للمسرحيات المنجزة. وإذا كانت الوزارة قد خصصت قدرا ماليا لإنتاج مسرحيات كل فرقة جهوية، فإنها تركتها من جهة أخرى تسبح وحدها في لجة الإنتاج المسرحي وتوزيعه. بل إن ترك تلك الفرق بصفة استثنائية تحت الإشراف الإداري والمالي لمسرح محمد الخامس قد زاد من حدة الغموض، وكشف عن غياب تصور متكامل وجاهز عند وزارة الثقافة. وهذا ما أثار بعض الاحتجاج.

والحال أن إصدار قانون تأسيسي ينظم الفرق الجهوية أمر يكاد يكون مستحيلا لأن الجميع ما يزال ينتظر إصدار قانون المهن المسرحية برمتها في المغرب الذي ما يزال يعيش دون تنظيم قانوني لكل الفنون لحد الآن (يناير2003)، ولا شيء يبرر إصدار قانون خاص بالفرق الجهوية وحدها. ومن جهة أخرى، -ودون أن نتبنى التصور الرسمي للوزارة إن وجد- لا نرى حاجة إلى إصدار قانون لوقائع مسرحية لم تتحقق بعد، لأنه لا يمكن تقنين شيء في ظل الغيب، خاصة وأن أطراف متعددة ينبغي أن تتدخل في الفرق الجهوية لعل أقربها الجماعاتا لمحلية ومجالس الجهات. ولهذا، نرى أن إصدار قانون للفرق الجهوية أمر موكول للتجربة نفسها بعد أن تقطع أشواطا من الاختبار ليشمل القانون المرتقب الفرق الجهوية في تفاصيل تجربتها وممارستها.

إن الفرق الجهوية تختلف كليا عن تلك التي تستفيد من دعم الإنتاج المسرحي، فهي شبه مسارح وطنية في جهات المغرب. ومن ثمة، تقع عليها مسؤولية تنشيط الجهات مسرحيا، وأن تكون أكثر حرفية ومهنية من باقي الفرق. ولعل ما يزيد من حدة العوائق التي تواجه هذه الفرق المطالبة بكل هذا أنها على صلة بالمؤسسات الجهوية المسؤولة عن الثقافة والمسرح بوجه عام، ونقصد بذلك الجماعات المحلية والهيئات المنتخبة. إن هذه الهيئات مسؤولة عن التنشيط الثقافي والفني، وعن توفير بنيات تحتية للممارسة المسرحية في الجهات التي توجد بها، وعن مد الجسور بين كل الفاعلين الثقافيين والمسرحيين من أجل خلق وتيرة منتظمة للأنشطة الثقافية بوجه عام. ولكن الواقع أصعب من هذه الغايات النبيلة، ذلك أن تلك المؤسسات تعاني من إكراهات إدارية من جهة، وتتشكل في أغلبها من أعضاء يمتلكون من التجربة السياسية ما يكفي، ولكنهم لا يملكون أي وعي ثقافي ولا أي تصور للعمل الثقافي وجدواه، ناهيك عما يعتمل داخل تلك المؤسسات المنتخبة من صراعات سياسية وانتخابية.

في ظل هذه الصورة، لم تجد الفرق الجهوية للمسرح شركاء جهويين حقيقيين لدعمها وتشجيعها، مما زاد من صعوبة المهمة الموكولة إليها، وربما هذا ما انعكس على عطائها الفني. لقد توجهت أغلبها إلى اختيار نصوص مسرحية أجنبية أو تكلفت هي نفسها بكتابة النص وذلك في الغالب الأعم تجنبا لصرف أجرة المؤلف المسرحي، الشيء الذي سيوفر لها قدرا كافيا من كلفة الإنتاج. وخلال إنجاز عروضها، اختار أغلبها الاقتصار على عدد قليل من الممثلين تجنبا للرفع من كلفة الإنتاج دائما.

وهكذا، وجدت الفرق الجهوية نفسها في وضع حرج، ربما كان ذا صلة بما لوحظ من هيمنة اقتباس النصوص الأجنبية في راهن المسرح المغربي. ذلك أنها، كما أشرنا، فرق رسمية ووطنية في الجهات، ولهذا، فمن غير المعقول مطلقا أن نجدها، وفي أول عروضها، تنجز مسرحيات لبرتولد برشت أو غوغول أو صامويل بيكيت أو لغيرهم لأنها تستفيد من مال عمومي، ومن الضروري أن تتوجه إلى الريبرتوار المغربي كيفما كان نوعه، وتعتمده في فرجاتها، فهي فرق تراهن على ترسيخ مسرح وطني في كل ربوع البلاد. وإذا لم يكن في نيتنا منع الفرق المسرحية عن التعامل مع مسرحيين عالمين كبار، فإنه تنبغي الإشارة إلى أن الدفع بالمسرح الوطني تأليفا وإخراجا وإنجازا موكول إلى الفرق الوطنية والجهوية، خاصة وأن المراكز الثقافية الأجنبية والملحقات الثقافية للسفارات موجودة وتعمل ما في وسعها لترويج مسرحها وكتابها ومبدعيها.

لا نود أن نقدم صورة قاتمة عن وضعية الفرق الجهوية، بقدر ما نود إثارة الانتباه إلى وضعها الإبداعي الصعب، وبجسامة العمل الذي ينتظرها سواء على صعيد الإبداع المسرحي أو على صعيد خلق دينامية مسرحية وثقافية في كل جهات المغرب.

يحتاج المسرح المغربي إلى حركة تأهيل حقيقية على جميع الأصعدة، تتحمل فيها كل الأطراف مسؤوليتها. والتأهيل لا يتحقق إلا بخلق فلسفة لدعم المسرح على كل الأصعدة، وخاصة تلك المتعلقة بالبنيات المسرحية التحتية. وعبر تفعيل مشاريع التكوين وإعادته للممارسين، وخلق مقاولات مسرحية قوية، وفتح نقاش واسع، شفاف ومسؤول حول صناعة الفرجة المسرحية بالمغرب.
avatar
snaibi
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 24/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى